الرئيسية

تصفح ملخصات الكتب

المدونة

ثقف نفسك بخطة قراءة من ملخصات كتب المعرفة المهمة

ملخص كتاب التصوير الفني في القرآن (جزء ثان)

كيف رَسَم القرآن الصورة من خلال الألفاظ؟

سيد قطب

لقد قرأت القرآن وأنا طفل صغير، لا ترقى مداركي إلى آفاق معانيه، ولا يحيط فهمي بجليل أغراضه، ولكني كنت أجد في نفسي منه شيئًا. لقد كان خيالي الساذج الصغير يجسِّم لي بعض الأمور من خلال تعبير القرآن، وإنها لصور ساذجة ولكنها كانت تشوِّق نفسي وتلذ حسِّي؛ فأظل فترة أتملَّاها، وأنا بها فَرِح ولها نشيط. ثم دخلتُ المعاهد العلمية فقرأتُ تفسير القرآن في كتب التفسير، وسمعت تفسيره من الأساتذة، ولكنني لم أجد فيما أقرأ أو أسمع ذلك القرآن اللذيذ الجميل الذي كنت أجده في الطفولة والصبا. ترى هما قرآنان؟ قرآن الطفولة الميسَّر، وقرآن الشباب المعقَّد؟ أم أنها الطريقة المتَّبعة في التفسير؟ وعُدْتُ إلى القرآن أقرؤه في المصحف لا في كتب التفسير، وعُدْتُ أجد قرآني الحبيب الجميل، وأجد صوري المشوِّقة اللذيذة. إنها ليست في سذاجتها التي كانت هناك، ولكن سحرها ما يزال، وجاذبيتها ما تزال. الحمد لله، لقد وجدتُ القرآن.

1- لفظة واحدة

قد يستقل لفظ واحد برسم صورة شاخصة، لا بمجرد المساعدة على إكمال معالم صورة، وهذه خطوة أخرى في تنسيق التصوير، خطوة يزيد من قيمتها أن لفظًا مفردًا هو الذي يرسم الصورة، تارة بِجَرَسه الذي يلقيه في الأذن، وتارة بظله الذي يلقيه في الخيال، وتارة بالجرس والظل جميعًا. تسمع الأذن كلمة "اثَّاقَلْتُمْ" في قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ"؛ فيتصور الخيال ذلك الجسم المثّاقل، يرفعه الرافعون في جهد، فيسقط من أيديهم في ثقل. إن في هذه الكلمة "طنًّا" على الأقل من الأثقال، ولو أنك قلت: تثاقلتم، لخف الجرس، ولضاع الأثر المنشود، ولتوارت الصورة المطلوبة التي رسمها هذا اللفظ، واستقل برسمها.

وتقرأ: "وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ"؛ فترتسم صورة التَّبْطِئة في جرس العبارة كلها، وفي جرس "ليبطئن" خاصة. وإن اللسان ليكاد يتعثر، وهو يتخبط بها، حتى يصل ببطء إلى نهايتها. وتسمع كلمة: "يصطرخون" في الآية: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ". فيُخَيَّل إليك جرسها الغليظ، غلظ الصراخ المختلط المتجاوب من كل مكان، المنبعث من حناجر مكتظة بالأصوات الخشنة؛ كما تلقي إليك ظل الإهمال لهذا الاصطراخ، الذي لا يجد من يهتم به أو يلبيه. وتلمح من وراء ذلك كله صورة ذلك العذاب الغليظ الذي هم فيه يصطرخون.

ومثلها التعبير عن النوم بالنعاس، وعن التنويم بغشية النعاس: "إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ"؛ تجد جو النعاس الرقيق اللطيف، وكأنه غشاء شفيف، يغشى الحواس في لطف ولين: "أمنة منه"؛ فالجو كله أمن وهدوء.

2- الموسيقى والفواصل

جاء في القرآن الكريم: "وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ". وجاء فيه حكاية عن كفار العرب: "بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ". وصدق القرآن الكريم، فليس هذا النسق شعرًا. ولكن العرب كذلك لم يكونوا مجانين، ولا جاهلين بخصائص الشعر، يوم قالوا عن هذا النَّسَق العالي أنه شعر. لقد راع خيالهم بما فيه من تصوير بارع؛ وسَحَرَ وجدانهم بما فيه من منطق ساحر؛ وأخذ أسماعهم بما فيه من إيقاع جميل. وتلك خصائص الشعر الأساسية، إذا نحن أغفلنا القافية والتفاعيل. على أن النَّسَق القرآني قد جمع بين مزايا النثر والشعر جميعًا؛ فقد أُعفِيَ التعبير من قيود القافية الموحَّدة والتفعيلات التامة؛ فنال بذلك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامة. وأخذ في الوقت ذاته من الشعر الموسيقى الداخلية، والفواصل المتقاربة في الوزن، التي تغني عن التفاعيل؛ والتقفية المتقاربة التي تغني عن القوافي؛ وضم ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا، فنشأ النثر والنَّظْم جميعًا.

وحيثما تلا الإنسان القرآن أحس بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه؛ يبرز بروزًا واضحًا في السور القصار، والفواصل السريعة، ومواضع التصوير والتشخيص بصفة عامة. وها نحن نتلو سورة النجم مثلًا: "وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى * أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى".

هذه فواصل متساوية في الوزن تقريبًا - على نظام غير نظام الشعر العربي -، متّحدة في حرف القافية تمامًا، ذات إيقاع موسيقي متّحد تبعًا لهذا وذاك، وتبعًا لأمر آخر لا يظهر ظهور الوزن والقافية؛ لأنه ينبعث من تآلف الحروف في الكلمات، وتناسق الكلمات في الجمل؛ ومرده إلى الحِسّ الداخلي والإدراك الموسيقي، الذي يفرق بين إيقاع موسيقي وإيقاع، ولو اتحدت الفواصل والأوزان. والإيقاع الموسيقي هنا متوسط الطول بما يتناسب مع الطول المتوسط للجملة، كما يتحد الأسلوب الموسيقي مع جو القصة المرويّة لتخرج الصورة النهائية مسترسلة ومنسابة دون تكلّف، وهو ملحوظ

وفي بعض الفواصل يبدو ذلك جليًّا مثل: "أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى". فلو أنك قلت: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة، لاختلّت القافية، ولتأثّر الإيقاع. وكذلك في قوله: "أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى"؛ لو قلت: ألكم الذكر وله الأنثى؟ تلك قسمة ضيزى، لاختل الإيقاع المستقيم بكلمة "إذن". ولا يعني هذا أن كلمة "الأخرى" وكلمة "إذن" زائدتان لمجرد القافية أو الوزن؛ فهما ضروريتان في السياق لأغراض معنوية خاصة. وتلك ميزة فنية أخرى: أن تأتي اللفظة لتؤدي معنى السياق، وتؤدي تناسبًا في الإيقاع، دون أن يطغى هذا على ذاك، أو يخضع النظم للضرورات. وملاحظة اتزان الإيقاع في الآيات والفواصل تبدو واضحة في كل موضع على نحو ما ذكرنا، أو قريبًا من هذه الدقة الكبرى. ودليل ذلك أن يَعْدِل في التعبير عن الصورة القياسية للكلمة إلى صورة خاصة، أو أن يُبنَى النَّسَق على نحو يختل إذا قدمتَ أو أخرتَ فيه، أو عدّلتَ في النَّظْم أي تعديل.

3- اللوحة المرسومة

4- مدة عرض المشهد

5- بناء الشخصية في القصة

اكمل قراءة الملخص كاملاً علي التطبيق الان

ثقف نفسك بخطة قراءة من ملخصات كتب المعرفة المهمة

هذه الخطة لتثقيف نفسك و بناء معرفتك أُعدت بعناية حسب اهتماماتك في مجالات المعرفة المختلفة و تتطور مع تطور مستواك, بعد ذلك ستخوض اختبارات فيما قرأت لتحديد مستواك الثقافي الحالي و التأكد من تقدم مستواك المعرفي مع الوقت

حمل التطبيق الان، و زد ثقتك في نفسك، و امتلك معرفة حقيقية تكسبك قدرة علي النقاش و الحوار بقراءة اكثر من ٣٥٠ ملخص لاهم الكتب العربية الان