الرئيسية

تصفح ملخصات الكتب

المدونة

ثقف نفسك بخطة قراءة من ملخصات كتب المعرفة المهمة

ملخص كتاب السنن النفسية لتطور الأمم

كيف تتطزر الأمم وما مظاهر هذا التطور؟

غوستاف لوبون

يعتبر هذا الكتاب هو خلاصة ما كتبه جوستاف لوبون في كتبه الأخرى عن الحضارات. يبين فيه أن هناك عوامل نفسية ثابتة تسيطر على حياة الأمم وتطورها، بالإضافة إلى بعض المؤثرات التي تظهر نتيجة هذا التقدم، موضحًا أن العرق هو روح تلك الأمم، كما أن هناك العديد من المبادئ التي تقوم عليها الحضارة والتي اعتبرها المظهر الخارجي لروح الأمة، وتأثير الأفكار وطريقة تكوينها في المجتمعات، كما أنه يؤكد في كتابه أن الأصل هو التفاوت بين البشر لا المساواة.

1- مبادئ المساواة في الزمن الحاضر وعوامل التاريخ النفسية

كل أمة تقوم على مجموعة من الأسس الثابتة والتي تأخذ وقتًا طويلًا لإنشاءها، وبالتالي أي محاولة لتغييرها تأخذ وقتًا أطول بكثير، وعلى الرغم من ظهور خطأ بعض تلك الأسس عند المثقفين، إلا أنها تجد صعوبة في تغييرها عند الجماعات لأنها أصبحت من الحقائق الراسخة في حياتهم.

إن مبدأ المساواة الذي نادى به البعض لم يأخذ في إعتبار من نشروه الفروق النفسية بين الأمم، وأن ما يمكن تطبيقه على امة لا تستطيع تطبيقه على غيرها، وإن محاولة تطبيق فكرة المساواة أدى إلى إضطرابات كبيرة وكثيرة، كما حدث في أمريكا وثورات أوروبا، فلا أحد يبالي بالتغييرات الإجتماعية والانقلابات السياسية التي سببها انتشار هذا المبدأ ونتائجه الخطرة، فإننا حين نحاول أن نساوي بين جميع الأمم فإننا نحاول أن نصب قالبًا واحدًا في أدمغة الجميع دون مراعاة للفروق الطبيعية والنفسية وهذا غير قابل للتطبيق، ولهذا جاء هذا الكتاب ليصف الأخلاق النفسية التي يتألف منها روح العرق وكيف تنشأ الأمم مثل هذه الأخلاق وكيف سارت هذه الأمم نحو المساواة وهل أثر عليها هذا سلبًا أو إيجابًا.

2- العروق والوحدة

لكل أمة صفات خاصة بها تميزها عن غيرها، وحاول البعض تقسيم البشر لأنواع من خلال الصفات التشريحية الواضحة فقط، كـ (البيض – والزنوج – والصُفر )، وفي هذا التقسيم تناسوا أنه في أحيان كثيرة يكون هناك تقارب جسماني بين الأمم ولكن هناك أيضًا اختلافات كبيرة من الناحية النفسية والشعورية، ويظهر ذلك واضحًا في تاريخ كل أمة وحضارتها وفنونها ومعتقداتها، ومن خلال الصفات الأخلاقية التي تظهر في تلك النواحي تتكون في النهاية روح العرق، وكلما تكونت تلك الصفات ببطئ أصبحت ثابتة أكثر وتعطى الأمة قوة وعظمة أكبر مثل إنجلترا وروما القديمة.

لكل عرق مزاج خاص به وصفات نفسية ثابتة مثل الصفات التشريحية تنتقل عن طريق الوراثة، والإنسان ممثل لعرقه، فإذا ذهبت لمدينة غريبة عنك فأول ما ستلاحظه هو الصفات المشتركة بين الجميع لتكرارها أمامك، تلك الصفات يمكن تطبيقها على المدينة ككل، ولكنها تصبح خاطئة إذا تم تطبيقها على فرد بعينه، لأن هنا تظهر الإختلافات الفردية، فالإنسان يؤثر في سير حياته 3 مؤثرات رئيسية، أولهم الأجداد ويعتبر المؤثر الأقوى، وثانيهم الأباء المقربين، وثالثهم البيئة والتي يظن الكثيرين أنها صاحبة التأثير الأكبر ولكن الحقيقة أنها الأضعف، فالإنسان يظل تحت سيطرة الموتى والأجداد ومعتقداتهم وآرائهم مهما طال الزمن ومن الصعوبة أن يتحرروا من تلك السيطرة لأنها ترسخت داخلهم عبر الأجيال.

3- حدود تغيُّرأخلاق العروق

إن الأمم التي تتكون من عروق مختلفة يكون من الصعوبة دمجها، لأن لكل منها مشاعرها وأفكارها المختلفة، فلكي تستطيع أمة أن تتوحد وتمتزج يجب أن تكتسب ثلاث صفات أساسية: (وحدة المشاعر – وحدة المصالح – وحدة العقائد)، وكانت البداية لوجود هذه الفكرة منذ الأسرة، ثم انتقلت إلى القرية فالمدينة، حتى وصلت لفكرة القومية أو الوطنية المتعارف عليها الأن، ولا يؤثر كبر أو صغر الأمم في فكرة الوحدة، فكم من أمم صغيرة استطاعت أن تتماسك وتتوحد وتبني حضارة عريقة، والبعض الأخر ظل في صراعه المستمر وحروبه التي لا تنتهي مع بعضهم البعض كالأغارقة مثلًا.

إننا هنا لا نهتم بأصول العروق، وخاصة إذا عرفنا أنه لا يوجد عرق خالص إلا عند الأمم غير المتمدنة (الهمج)، ولا يهم إذا كانت العروق كونتها الطبيعة أو التاريخ، ولكن ما يهمنا هو أخلاق تلك العروق وصفاتها التي تراكمت بالوراثة، والتي ساعدتها على التقدم والتطور وأصبحت تميزها عن غيرها.

4- نظام مراتب العروق النفسي

إن الأمم متغيرة، تلك هي القاعدة الأساسية، ولكن ما سر تلك التغييرات وأسبابها؟ وهل يؤثر في صفاتها النفسية؟

إن الصفات النفسية كالصفات التشريحية ثابتة وأساسية، حتى لو أصابها بعض التغييرات الثانوية الخارجية، على عكس المزاج النفسي والذي يحمل أيضًا صفات أساسية، ولكنه قابل للتغيير من خلال البيئة او التربية أو الأحداث الفجائية كالأزمات السياسية والدينية الكبيرة، والتي يظهر فيها صفات خلقية غريبة عن أهلها، ولكنها سرعان ما تزول، فهذه التغييرات ليست عميقة، ولا تغير في ثوابت الصفات النفسية للأمم، ولكنها ظاهرة عارضة، مثلها كمثل الرجل إذا جاع قد يقترف أفظع الجرائم، فهل معنى ذلك أن طبائعه الأصلية قد تغيرت؟.

لا، ولكن التغيير قد يحدث إذا مر عليها سنوات طويلة، وهذا ما يحدث مع الأمم أيضًا، فصفاتها ثابتة ولكي يحدث التغيير لابد من قرون طويلة بالتوالد المتكرر تمر ببطئ شديد (ركام وراثي بطئ).

5- التعليم والهوة النفسية بين الأمم

إن محاولة تقسيم الصفات النفسية للعروق مسألة ليست سهلة بسبب التفاصيل الدقيقة والكثيرة، والاختلافات الكبيرة بين الأمم والأشخاص، ولكن إذا نظرنا إلى الصفات الثابتة والأساسية والتي يمكن تطبيقها على كثير من الأمم، يمكننا حصرها في أربعة أقسام:

أولهم العروق الابتدائية هي التي لا يوجد بها أي أثر للثقافة وظلت على بدائيتها كالإستراليين في الوقت الحاضر، ثم تأتي فوقها العروق الدنيا وهي عروق لديها قدر بسيط جدًا من الحضارة وإن كانت حضارة غليظة تتمثل في الزنوج مثلًا، ثم العروق الوسطى فهم الذين كونوا حضارات راقية كالصينين والعرب والآشوريين وغيرهم، وتأتي أخيرًا العروق العليا وهي الأمم التي استطاعت أن تخترع في المجالات المختلفة كالأمم الهندية الأوروبية.

ولكل قسم من هذه الأقسام خصائصه النفسية التي تميزه، فلا يمكن المزج بينهم، كما أنه من الصعب تقسيمهم إلى أقسام ثانوية، لأن هذا يحتاج إلى تفاصيل داخلية دقيقة جدًا، فيتوجب علينا أن يؤخذ كل شعب على حدة ويتم تحديد صفاته وأخلاقه.

6- تفاوت الأفراد والعروق التدريجي

إن الهوة النفسية بين هذه الأقسام كبيرة جدًا، ولكن يمكننا أن نصف أصحاب العروق الإبتدائية والدنيا أنهم عاجزون عن التعقل ويفتقدون لروح النقد، ويسيطر عليهم التقليد، كما يتصفون بضعف الانتباه والتأمل، وبتقلب دائم في الأخلاق، وليس لديهم نظرة مستقبلية وبالتالي محكوم عليهم أن يظلوا متخلفين عن ركب الحضارة، وهم بذلك يختلفون تمامًا عن العروق العليا التي تتميز بالخلق والذكاء والثبات والنشاط، ولديهم قدرة على ضبط النفس، والأدب الذي أصبح دليلًا على عظمة أمة من عدمها.

إن محاولة البعض القول أن التعليم قد يكون حلًا للإرتفاع بالأشخاص أو الأمم من العروق الدنيا إلى العليا غير منطقي، بالتعليم قد يجعل شخص بدائي محامي أو معلم، ولكن يظل ذلك مظهرًا خارجيًا فقط، لا يؤثر في صفاته النفسية الأصلية، فلن يغير بشكل كبير في طريقة تفكيره أو يعطيه ملكة التفكير الناقد، أو أخلاق الطبقات العليا لأن بعضها صادر عن الوراثة قبل أي شئ أخر، فهذه التغييرات لا تحدث إلا إذا قامت الأمة ذاتها بتحويل تام في روحها والذي يحتاج كما قلنا سابقًا لقرون طويلة.

7- تكوين العروق التاريخية

إن نظريات المساواة تقول إن تقدم الحضارة يكون سببًا في تساوي الأفراد ولو ذهنيًا، ولكن الحقيقة عكس ذلك، فكلما تقدمت الحضارة كلما ساعدت على التفاوت بين الناس، ويظهر أيضًا بين الجنسين وخاصة في العروق العليا، ففي العروق الدنيا قد تجد تشابه في أخلاقهم النفسية وصفاتهم وتفكيرهم، وحتى عندما بدأت الثورة الصناعية نجد أن الفرد في العروق الدنيا يعمل في وظيفة واحدة بشكل ثابت بآلة ثابتة لا تتغير، فتحط تدريجيًا من ذكائه، وهذا عكس ما يحدث في الأفراد في العروق العليا التي يجبرهم التقدم على البحث ومحاولة المبادرة والإختراع، فدماغه يعمل باستمرار.

ولكن هناك أسباب وقفت كحاجز دون أن يتزايد هذا التفاوت بشكل كبير، أولها أن هذا التفاوت لا يكون إلا في الذكاء وليس الخلق، فمهما تفاوت الأفراد في الأمة في الذكاء فإن التغيير في الخلق يظل طفيفًا، وكما قلنا سابقًا أن الخلق هو ما يؤثر على حياة الشعوب، أما ثانيًا أن الجموع تكره الأفضلية الذهنية وبالتالي تعمل على تقويضها دائمًا من خلال الثورات، أما ثالثا وهو السبب الأقوى والأهم هو منع حدوث التفاوت بين الأفراد، ومحاولة إرجاع أو إزالة الأشخاص الذين يحاولون تخطي المستوى المتوسط، فغير مسموح لهم بالتجاوز عن هذا المستوى، وهناك نظرية قديمة تقول إن أبناء الأسر الرفيعة الذكاء تفسد عاجلًا، وهذا الفساد يؤدي إلى زوالها التام.

ولهذا يجب أن ننظر إلى العرق من ناحيتين، الأولى من الناحية الذهنية والمتمثل في صفوة قليلة من الأفراد تكون السبب في الحضارة والتقدم وتكون متغيرة باستمرار، أم الثانية من الناحية الخلقية، وهنا يجب النظر إلى الطبقة الوسطى على الدوام، وهي لا تتغير إلا ببطئ وتحتاج لتراكم في قرون كثيرة، فالأمم قد تستغني عن الصفوة الذهنية، ولكن لا تفعل ذلك عند درجة معينة من المستوى الخلقي.

8- تحول الفنون

إن الأمم المتقدمة أو المتمدنة يوجد فيها عروق تاريخية فقط، أي تلك العروق التي كونتها الهجرات والفتوحات وامتزج أفرادها مع الوقت على الرغم من اختلاف أصولهم، ولكن هناك عناصر لا يمكن أن تمتزج خاصة إذا كانت في حالة مواجهة كالشعوب الألمانية والمجرية وغيرها من الأمم التي تعيش في الدولة النمسوية، فإن اختلافاتهم الشديدة منعتهم من التمازج، أما الأمم المنحطة تمامًا إذا ما تواجهت مع أمم عليا، فإن التجربة دلت على أنها لابد وأن تزول.

ولكي تمتزج العروق هناك ثلاث شروط أساسية: أولهم ألا يوجد فرق كبير في الأعداد بين هذه العروق حتى لا تضغى مجموعة على الأخرى، ثانيهم أن تكون إختلافاتهم الخلقية قليلة جدًا والتي تختفي مع التوالد المستمر كما ذكرنا سابقًا والذي يكون له دورًا كبيرًا بعد ذلك في قوة هذه الأمة وفي ضعفها في أحيان أخرى، وثالثهم أن يظلوا خاضعين لبيئات واحدة زمنًا طويلًا والتي يكون لها تأثير كبير في العروق الجديدة عكس القديمة وتساعد في تكوين الصفات والأخلاق النفسية الجديدة لهذا العرق، والذي يستقر كلما مر الزمن أكثر فأكثر.

9- كيف تتحول النُّظُم والديانات واللغات

إن كل حضارة تتكون من مجموعة من العناصر وهي لغات ونظم وأفكار وفنون ومعتقدات وغيرها، كل هذه العناصر هي عبارة عن مظاهر خارجية لروح هذه الأمة وتميزها عن غيرها، كما أن هناك تفاوت بين أهمية كل عنصر سواء في الأمة ذاتها أو من أمة لأمة، وربما هذا ما يظهر أن هذه العناصر تتعرض للتحول عندما تنتقل من عرق لأخر، وعلى هذا نجد أن لكل أمة العناصر التي أدت لنشوء حضارتها وميزتها عن غيرها، فلا نستطيع أن نتخذ عنصر واحد ونطبقه على جميع الأمم، ولا أن نصنفهم أو نرتبهم، لأن دور كل عنصر يختلف من أمة لأمة ومن فترة زمنية لأخرى.

فلو أخذنا عنصر الفنون والآداب نجد أن هناك تفاوت كبير في دورهم في نشوء حضارة الأمم المختلفة، ففي الوقت الذي برع فيه المصريين في الآثار التي تركوها لم يصل الأغارقة لنفس المستوى إلا لفترات قصيرة، أما الرومان فلم يبالوا بالفنون إلا باعتبارها مجالًا للتجارة، ولكن نجد تقدمهم الهائل والعظيم في النظم السياسية والحربية، أما الفينيقيون فكانوا متأخرين من الناحية الفنية ولكنهم استطاعوا أن يبنوا حضارة تجارية عظيمة.

10- شأن الأفكار في حياة الأمم

فعلى الرغم من أهمية الفنون في تكون الحضارة واعتبارها دليلًا عليه إلا لم تكن الأساس عند جميع الأمم، كما أن هذه الفنون معرضة للتغيير في حالة تعرضه لتأثيرات البيئة كانقلاب سياسي أو غزو أجنبي أو ظهور لمعتقدات جديدة، فبتغير ما أدى لنشأتها تتغير هي بالضرورة لتلائم ما يحدث، كما حدث في الهند مثلًا بعد الغزو الإسلامي والذي إلى تغيير الفن الهندوسي تمامًا.

يمكن أن تحدث امة تغيير في أمة أخرى وذلك حسب العرق والزمن، وتجعلها تكتسب فنًا جديدًا مكتسب اغلبه وإن أصبغت عليه روحها، فالفن ذا علاقة وثيقة بمزاج العرق النفسي، وروح العرق هو ما يسير مصير الأمم ويوجه عناصر حضارتها المختلفة من نظم ولغة وفنون وغيرها.

واليوم لا تجد امة ذات فن قومي ولجأ الكثيرين إلى نسخ ما كان سابقًا، ولهذا فقدوا قدرتهم على تكوين فن حقيقي قائم على التصوير الصادق الملائم لاحتياجات الحديثة، ولهذا يعتبر الفن والأثار من أهم العناصر الصادقة التي تروي حكايات الماضي لأن ما قاموا بإنشائها لم يتصنعوا وكانوا صادقين في نقلهم لأفكار زمنهم.

11- شأن المعتقدات الدينية في تطور الحضارات

كما قلنا سابقًا لكي يحدث تغيير في العروق لابد وأن يمر زمنًا طويلًا، كما أنه من الصعب أن تمتزج العروق إذا كانت مختلفة إختلافًا كبيرًا، ومحاولة البعض إحداث التغيير بالتربية لن يؤدي إلا إلى الإنحدار، فالقرون وحدها هي القادرة على فعل هذا التغيير.

فالتاريخ عندما يسرد تلك التغييرات فإنه يحاول أن يظهر أن التغيير حصل مباشرة بسهولة بظهور عادة أو فكرة أو نظم جديدة أو دين جديد ورسول، ولكن الحقيقة غير ذلك، فبالنظر لانتشار الديانات مثلًا نجد أن أسماء الأشياء هي التي تتغير ولكن الحياة نفسها لا تتغير بسهولة تظل تسيطر عليها أشكالها القديمة، فالديانات ومنهم الدين الإسلامي مثلًا انتشر في بقاع كثيرة ولكن لو نظرنا عن كثب للأمم التي انتشر فيها نجد أنهم لا زالوا متمسكين ببعض التقاليد القديمة، ولم يحدث التغيير الكامل بهم، مثلًا كما في الجزائر بها عرقين مختلفين، وهما العرب والبربر، نجد أن البربر ظلوا على مبدأ الزوجة الواحدة على عكس مبدأ التعددية في الإسلام، فالدين عندهم ما هو إلا مزيج من الإسلام والوثنية القديمة التي ظلوا عليها سنين طويلة.

وما قيل هنا عن المعتقدات يمكن أن نقوله أيضًا عن النظم، فهي عندما تنتقل من عرق لآخر فلابد وأن تتغير وتتأثر به حتى مع بقاء المسميات كما هي، فالأمم المختلفة لاختلاف مزاجها النفسي لا تبقى على نظام واحد لزمن طويل، وكذلك ما يحدث عن اللغات فإنها تتحول بحكم الضرورة عند انتقالها من أمة إلى أخرى، فقد تؤدي الفتوح أو مصالح الشعب التجارية إلى اعتناقه للغات مختلفة، ويمكن أن تصبح مع الوقت هي اللغة الأساسية لهذه الأمم، فالهند مثلًا بها عروق كثيرة وتجد فيها ما يقرب من 240 لغة ونحو 300 لهجة، وربما نجد أيضًا إختلافًا بين مدلول الكلام بين الماضي والحاضر في اللغة الواحدة، فما بالك بمعناها في اللغات المختلفة وبالتالي كان هناك صعوبة في ترجمتها من لغة لأخرى.

إن تقبل أمة ما لأي تغيير يحدث سواء في الدين أو النظم أو اللغات او غيرهم ليس سهلًا وليس فجائيًا كما تحاول كتب التاريخ أن تظهره، فهي تحتاج لتراكمات زمنية طويلة ومستمرة، كما أنها لا تنتقل كما هي ولابد وان يصيبها التغيير بحسب مزاجها النفسي.

12- شأن عظماء الرجال في تاريخ الأمم

عندما نقوم بدراسة مختلف الحضارات التي نشأت منذ بدء العالم نجد أن هناك عدد من المبادئ الأساسية التي تتحكم في مصيرها، وهذه المبادئ كلما نمت ببطئ ونضجت على مهل كانت ذات عمل حقيقي في روح الأمم، وكانت الحضارة أكثر ثباتًا، أكثر الأمم تمدنًا هي الأمم التي استطاعت تحافظ على التوازن بين الثبات والتحول، وليس المهم هنا كثرة المبادئ ولكن في بطئ نشوئها وتحولاتها، كما أن كل عنصر من عناصر الحضارة خاضع لعدد قليل من المبادئ التي تنظمها.

إن المبادئ تنتشر على نمط واحد في كل وقت مهما كان نوعه علميًا أو فنًا أو دينيًا او غيرهم، فيجب اعتناقه اولًا من قبل القليلين الذي يقومون بدورهم في نشره بعد ذلك بالتلقين اكثر، فالجموع لا تقتنع بالأدلة على قدر قدرة نفوذ الشخص الذي يقول الفكرة أو المبدأ عليهم، وفي حالة اقتناعهم ينتقل المبدأ منطقة الجدل فيسبب إعتراضًا كبيرة لأنه يصطدم بأفكار قديمة راسخة، فيتقلب بين القبول والرفض دون براهين احيانًا، فكلا الطرفين يدافع بمشاعره لا بعقله.

ثم يبدأ المبدأ بالنمو تدريجيًا بسبب تلك الجدالات، ثم ينتشر بفعل التقليد، وبهذا سرعان ما يقبله العامة ويكتسب قوة ونفوذ ومكانة بين الجميع، فإذا ما دخل المبدأ في منطقة المشاعر أصبح امنًا من التغيير لفترة طويلة، فقد تحول إلى عقيدة، وتنشأ جماعات تدافع عن هذا المبدا بكل قوة خاصة إذا تمكن المبدأ منهم، وبالتالي تظهر تلك التغييرات والحوادث العظيمة التي تقلب التاريخ والتي لا يقدر عليها إلا الجماعات.

إن تحولات المبادئ الأساسية هي العناصر المهم في تحديد مصير أي امة، فهي القادرة وحدها على إحداث تغيير حقيقي بطئ لا تقدر على إحداثه الثورات والتحولات السريعة، فالثورات الحقيقية هي التي تحدث في أفكار الأمة وتكون اخطرها على الإطلاق.

13- كيف تذوي الحضارات وتنطفئ

المعتقدات الدينية من المبادئ الأساسية التي تحدد وتسيّر مصير الأمم، فمع كل مبدأ ديني جديد تحدث الكثير من التغييرات و تظهر حضارة جديدة، فمن المعروف أن جميع النظم السياسية والإجتماعية قامت في الأساس على المعتقدات الدينية، كما أنها تؤثر تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا في الأخلاق وفي الأحوال النفسية للأمم.

ومن قوة المعتقدات وسيطرتها على حياة الأمم نجد أن الأمة التي يهيمن عليها المعتقد لا تغير مزاجها النفسي ولكنها تتوحد لنصر معتقدها فتصبح قوة كبيرة لا يستهان بها، فلقد مثلت الروح الدينية دورًا أساسيًا وسياسيًا مهمًا في حياة الأمم على مدار العصور، وعلى الرغم من أن هذه التحولات الدينية قد تكون مؤقتة لأنها – كما قلنا – لا تُحدث تأثيرًا في المزاج النفسي، إلا أنها أحيانًا ما تدوم زمنًا كافيًا لتحول الأخلاق تحولًا كاملًا.

ورغم ذلك تكون معرضة للزوال، فلقد دل التاريخ أن الأمم إذا توارى آلهتها انتهت حضارتها التي قامت على أساس هؤلاء الألهة، ليحل محلها دينًا جديدًا وبالتالي حضارة جديدة.

اقرأ المزيد من الملخصات علي التطبيق الان

ثقف نفسك بخطة قراءة من ملخصات كتب المعرفة المهمة

هذه الخطة لتثقيف نفسك و بناء معرفتك أُعدت بعناية حسب اهتماماتك في مجالات المعرفة المختلفة و تتطور مع تطور مستواك, بعد ذلك ستخوض اختبارات فيما قرأت لتحديد مستواك الثقافي الحالي و التأكد من تقدم مستواك المعرفي مع الوقت

حمل التطبيق الان، و زد ثقتك في نفسك، و امتلك معرفة حقيقية تكسبك قدرة علي النقاش و الحوار بقراءة اكثر من ٣٥٠ ملخص لاهم الكتب العربية الان