الرئيسية

تصفح ملخصات الكتب

المدونة

ثقف نفسك بخطة قراءة من ملخصات كتب المعرفة المهمة

ملخص كتاب مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام

الفلسفة بعد اليونانية

جورج طرابيشي

فقرة واحدة في ختام كتاب "تكوين العقل العربي"، تقول: "أسباب تخلف المسلمين وتقدم غيرهم"، كانت هي السبب في هذه الدراسة التاريخية. وفي المقارنة الضدية بين العقل الأوروبي المسيحي والعقل العربي الإسلامي في تعاملهم مع الفلسفة نجد أن في الثقافة العربية لم يتم الاعتراف بالمنظومة الأرسطية بنفس الصورة التي اعترف بها في أوروبا المسيحية لأن السلطة المرجعية الدينية في الثقافة العربية لم تكن بحاجة إليها، هذا عن أسباب تخلف المسلمين، أما عن أسباب تقدم غيرهم فترجع إلى نوعين من الموروث: الموروث اليوناني المسيحي الذي يمثل نضال الكنيسة ضد العقل المستقل واقصاءه، وقد استعانت في ذلك بالمعقول العقلي اليوناني، وفي مقدمته المنطق، والموروث العربي الفلسفي والعلمي. إن هذه الرؤية المسيحية منفتحة على الفلسفة والإسلام منغلق دونها تعزز وعي تاريخي كاذب يصاد الحقيقة التاريخية، وذلك هو جوهر الأطروحة المركزية لهذا الكتاب.

1- المركزية الأوروبية والصراع على تاريخ العقل:

صار تاريخ الفلسفة تاريخ لصراع أنثروبولوجي بداية من القرن التاسع عشر. فالحضارة الأوروبية الغربية، التي ترى نفسها حضارة عقل مطلق، أعادت على ضوء هذه القراءة النرجسية قراءة تاريخ الفلسفة. فكانت النقطة المركزية هي تغريب العقل اليوناني بوصفه العقل المؤسس للحظة ميلاد الفلسفة. هذا العقل جرى فصله عن منبعه في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط نحو الغرب الأوروبي الذي لم يسمهم في تغذيته بقطرة واحدة.

هذه الجغرافية الفلسفية الخيالية قد اصطدمت بعقبة: نهر الفلسفة اليونانية الذي انتهى فعليًا إلى أن صبّ في المجرى الأوروبي وقد كان قبل ذلك قد مر بتحويلة شرق أوسطية لا سبيل إلى التكذيب بها. وقد جرى إغفال هذه التحويلة وإنكارها والطعن في واقعيتها.

وأبرز من قام بمهمة الإنكار هذه هو إرنست رينان، بدعواه من أن البحث الشجاع والفلسفي عن الحقيقة هو قسمة (العرق الهندي – الأوروبي) في مقولته المشهورة: "من العسف أن نطلق اسم فلسفة عربية على فلسفة لا تعدو أن تكون استدانة من اليونان، وما كان لها أي جذر في شبه الجزيرة العربية، فهذه الفلسفة مكتوبة بالعربية ليس إلا".

إن الدعوة الرينانية تبطن تناقضًا داخليًا عميقًا. فهي إذ ترمي الفلسفة العربية بأنها مكتوبة بالعربية ليس إلا، تتجاهل أن الفلسفة اليونانية نفسها ما كانت يونانية بقدر ما كانت مكتوبة باليونانية. وإذا كان رينان يلاحظ أنه من بين الفلاسفة والعلماء الموصوفين بأنهم عرب، ما كان ثمة وجود تقريبًا إلا لواحد فقط من أصل عربي هو الكندي، فإننا نستطيع أن نلاحظ أن أكثر الفلاسفة والعلماء اليونانيين ما كانوا يونانيين، وأن أثينا نفسها لم تنجب سوى سقراط وأفلاطون، بينما كان هناك عشرات الفلاسفة من ذوي الأصول السورية أو المصرية كتبوا باليونانية. وهذا التناقض لم يمنع "العدمية الفلسفية" من أن تجد لها أنصارًا، فأحمد أمين نفسه ليجزم بأن الفلاسفة العرب كانوا "كالمفوضية اليونانية في البلاد الإسلامية".

وفي حين أن الدعوة الرينانية لا تفرق بين المسيحية والإسلام في العداء مع الفلسفة، لكنها تفرق بينهما بأن المسيحية انتهت إلى أن تكون حاضنة لها، بينما اضطهد الإسلام على الدوام العلم والفلسفة.

2- عذابات الفلسفة في المسيحية الأولى:

إن المسيحية كالإسلام، دين وحس، ومرجعيتها مثله إلى نص أول مُطلق ينتزع إلى تأسيس نفسه في عقيدة قويمة. وكانت المسيحية مصادمة لروح الفلسفة اليونانية في نقطتين: التجسد الإلهي والخلق من عدم.

كانت الفلسفة اليونانية توجه خطابها إلى النخبة المثقفة، وكان إتقان اليونانية بوصفها لغة الثقافة هو الشرط الأول للانتماء إلى تلك النخبة. وبالمقابل، فإن المسيحية كانت تمارس تبشيرها بلسان الحواريين، وكان الجمهور الذي تتوجه إليه يتألف من العامة/البسطاء، وكان معظمهم من الأميين الذين لا مدخل لهم إلى النصوص الدينية إلا بواسطة معلم.

وقد امتد الصدام بين المسيحية الأولى والثقافة اليونانية إلى الجانب الأبستمولوجي. فالبرهان هو لغة العقل، أما النبوة فخطاب من الوجدان إلى الوجدان. يقول القديس بوستينس: "في عهود أقدم من عهود الفلاسفة، وجد بشر سعداء، أعزاء عند الله، تكلموا بلغة الروح القدس وحكوا عن المستقبل تكهنات هي اليوم قيد تحقق، وهؤلاء هم من يسمون بالأنبياء، ما بالبرهان تكلموا، بل فوق كل برهان كانوا شهداء موقرين على الحقيقة". وقد ادعى المسيحيون أن مذهبهم يتفوق على كل مذهب بشري، فالمسيح هو من ظهر لهم، إذ كل ما قاله واكتشفه الفلاسفة فإنما توصلوا إلى اكتشافه بفضل تأثير جزئي من المسيح.

وامتد الصدام ليشمل الحقل الأيديولوجي؛ ليتخذ شكل حملة عنيفة شعواء شنها الشق الذي اعتنق المسيحية من الأنتلجنسيا الناطقة باليونانية على الفلسفة "الوثنية". ولم يكتفِ بولس الرسول، المؤسس الثاني للمسيحية، بتحذير معتنقي الديانة الجديدة من "خدعة الفلسفة الباطلة"، بل أعلن الاستغناء عن الحاجة إلى الحكمة البشرية بعدما بزغت الحكمة الإلهية.

وفي هذا السياق، ولدت نظرية "سرقة الفلسفة": فالفلسفة الحقة هي الحكمة النبوية، وأقدم الفلاسفة هم الأنبياء، والفلاسفة ما زادوا على أن انتحلوا الأنبياء، بانتحالهم حكمة الأنبياء وتحريفها وتشويهها. وأن الفلسفة ليس لها تاريخ تقدم، بل تاريخ انحطاط، ولولا المسيحية لتوالى هذا الانحطاط.

ومع انتشار المسيحية في القرن الثالث، غدت صفة "اليونانية" نفسها منبوذة، سواء أأطلقت على الفلسفة أم الحضارة إجمالًا، ثم باتت مرادفة لـ "الوثنية". ومن هنا فإن كتاب "تعليم الرسل"، وهو الكتاب الأساسي للعقيدة المسيحية، يحث المؤمنين على الامتناع التام عن قراءة كتب الوثنيين الشيطانية؛ لأن الإنجيل وحده ينبغي أن يقدم الغذاء للحياة العقلية للمسيحي.

كما صدر مرسومان إمبراطوريان بتحريم كتب فرفوريوس وحرقها: مرسوم أول أصدره قسطنطين عام 323م بعد عشرة أعوام من مرسوم ميلانو الذي أباح الحرية الدينية، ومرسوم ثانٍ أصدره بعد قرن وربع الإمبراطوران فالنتينيانس الثالث وثيودوذس الثاني، وأمر بوجوب حرق كل ما كتبه فرفوريوس ضد العبادة المقدسة للمسيحيين. وقد جاء في حيثيات المرسوم: "نحن لا نشاء أن تصل حتى إلى آذان الناس كتابات من شأنها أن تغضب الله وأن تؤذي النفوس".

قابل مثقفو العالم "الوثني" المسيحية في أول الأمر بتعالٍ بوصفها ديانة بربرية موجهة إلى أناس بلا ثقافة. والواقع أن عالم المسيحية الأولى، منذ أن حرر فرفوريوس كتبه ضد المسيحيين، كان قد شهد تطورين مهمين: فقد كفَّت المسيحية عن أن تكون مسيحية رسل وتلاميذ، وكفت أن تكون مسيحية مبشرين متجولين فرديين، لتتحول أكثر فأكثر إلى مسيحية أساقفة وكنيسة وسلطة دينية متراتبة هرميًا، وهم وحدهم المؤهلون لتفسير العقيدة ولتوجيه مجتمع المؤمنين. ثم كفت المسيحية عن أن تكون ديانة مضطهَدة لتغدو ديانة دولة. وصارت يد الدولة، وهي يد من حديد ونار، تتدخل لتحسم الصراع ولتضمن الانتصار للعقيدة القويمة المسننة. وذلك ألغى حتى ذلك الهامش من حرية الاجتهاد والتأويل.

فإن كانت الحضارات الدينية تلغي حرية التفكير في المقدمات الكبرى، فإن تسنين العقيدة يلغي حرية التفكير حتى في المقدمات الصغرى. فالعقيدة المسننة هي بمثابة نص على النص، نص ثانٍ مغلق وملزم للعقول في فهمها للنص. وكان المحروم كنسيًا أو المكفّر بفتوى فقهية لا تترك له حرية أو فرصة حياة، باستثناء الاستتابة؛ فليس له من خيار آخر سوى السجن أو القبر، أو المنفى إذا كانت القلوب لم تقسُ بعد من جراء طول ممارسة السلطة.

وقد ولد نضال عنيف ضد الهرطقة، العدو الداخلي للعقيدة القويمة الصراطية، قد توازى مع نضال لا يقل عنفًا أحيانًا ضد الفلسفة، عدوها الخارجي. ورغم محاولة الإمبراطور يوليانس المرتد رد الاعتبار إلى الفلسفة والعقل بوصفه الأداة الوحيدة لمعرفة الحقيقة، فإن ردود الفعل التي أثارها ارتداده ارتدت على الفلسفة نفسها التي باتت تعادل كفرًا مثلما باتت كلمة "يوناني" تعني "وثنيًا".

وقد شكى النحوي بالاداس الإسكندري من الحال المزري الذي آلت إليه لا الفلسفة وحدها، بل الثقافة اليونانية برمتها: "إننا، نحن اليونانيين، أنام ما بقى منا إلا رماد. فآمالنا تحت الأرض كآمال الأموات. اليونانيين، ما عاد لهم من الحياة سوى ظلها، فالحياة لهم كالمنام، وهم يجرّون معهم وجودًا ميتًا".

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الحرب ضد الهرطقات المسيحية، كالحرب ضد الثقافة اليونانية، قد ألغت التفكير الشخصي والهامش النسبي لحرية الاجتهاد، وقيدت الفكر بنص، وقيدت النص نفسه بنص، وضمنت لهذا الأخير بقوة السلطة الدينية مصادقة جماعية وإجماعية. سنجد أن تاريخ الفلسفة في مسيحية القرون الأولى هو تاريخ قطيعة وغياب. ذلك أن العقيدة القويمة ضدان لا يجتمعان. وكما أن العقيدة القويمة لا تقبل فلسفة من خارجها، فإنها لا تفرز فلسفة من داخلها.

3- الفلسفة في المدينة الإسلامية من المواطنة إلى المنفى:

اكمل قراءة الملخص كاملاً علي التطبيق الان

ثقف نفسك بخطة قراءة من ملخصات كتب المعرفة المهمة

هذه الخطة لتثقيف نفسك و بناء معرفتك أُعدت بعناية حسب اهتماماتك في مجالات المعرفة المختلفة و تتطور مع تطور مستواك, بعد ذلك ستخوض اختبارات فيما قرأت لتحديد مستواك الثقافي الحالي و التأكد من تقدم مستواك المعرفي مع الوقت

حمل التطبيق الان، و زد ثقتك في نفسك، و امتلك معرفة حقيقية تكسبك قدرة علي النقاش و الحوار بقراءة اكثر من ٣٥٠ ملخص لاهم الكتب العربية الان