الرئيسية

تصفح ملخصات الكتب

المدونة

ثقف نفسك بخطة قراءة من ملخصات كتب المعرفة المهمة

ملخص كتاب نداء الشعب (جزء ثانٍ)

تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية

شريف يونس

لقد تحرك الضباط باسم الشعب معتبرين أنه قد ناداهم لإنقاذه، ونقصد بالشعب هو "اسم الشعب" بوصفه مقولة أيديولوجية مركزية في تلك الفترة، فقد ظلت مقولة "الشعب" هي المحور الذي يدور وتتولد حوله المقولات الأيديولوجية مثل: ديكتاتورية الشعب، حكم الشعب، أعداء الشعب، مكاسب الشعب، تحالف قوى الشعب؛ فكانت بمثابة مرتكز شرعية نظام يوليو، والفكرة التي وجهت حركة الضباط الأحرار منذ قبل أن تُنشئ هذا النظام. فالغرض الأساسي من الكتاب إذن هو دراسة هذا المشهد الأيديولوجي بكثير من تنويعاته، في ضوء مجمل البنية الاجتماعية التي كان يعيش فيها، وفحص تشكُّل وبنية هذا النظام وتكوينه من خلال هذه الأيديولوجيا.

1- الصعود نحو المدينة الفاضلة

انتهت فترة الانتقال الرسمية بالاستفتاء على الدستور وعبد الناصر رئيسًا، وتراجع الصدام مع الغرب بعد انتصار 1956م السياسي وتدشين زعامة ناصر. وحصل النظام ككل من خلال ذلك على شرعية محلية وإقليمية غير مسبوقة ولا متخيلة قبل تلك اللحظة. أصبح مشروع الزحف المقدس أو الانتقال، أو القوامة الشعبية، أو الزعامة، راسخًا وأمرًا واقعًا. وأُتيحَ لناصر وأعوانه لكي يحققوا ما أرادوا وبشّروا به، وكانوا قد أفصحوا عن إرادتهم بالكامل من خلال الدستور فمنحوا عبد الناصر سلطات مطلقة، وعيّنوا أنفسهم في أهم الوزارات الفاعلة داخل الحكومة، فضلًا عن رئاستها، ليقيموا مع ناصر -مطمئنين إلى تأييد القطاعات الواسعة من الجماهير- (المدينة الفاضلة) كما يرونها، "المجتمع المُدرّب تدريبًا كاملًا" أو "الزحف"المتجه قُدُمًا نحو الأهداف الثورية، ولنقُل (الناصرية).

كانت الفترة من 1957م إلى 1959م، بمثابة العصر الذهبي لحكم الضباط الأحرار، فبعد هذه الفترة بدأت مشكلات (الزحف) تتزايد، إلى أن تعرَّضت الفكرة نفسها لتعديل جذري في مبتدأ الستينات، ففي الفترة السابقة كانت المشكلة إقامة النظام السياسي، وخلق مجال سياسي عام (مضبوط ومراقب) لسد عملية (الفراغ السياسي) التي تمت تبعًا للتطهير وتشكيل نموذج الزحف، أما المشكلات التالية فكانت مشاكل مترتبة على النجاح في إنشائه، كانت عواقب سياسات الضباط نفسها وإدارتهم للبلاد. وبصفة عامة طرح الضباط أنفسهم كعاملين في خدمة الشعب، كبديل عن، وكدليل على جدارتهم بتمثيله، فهم يقدمون أنفسهم على أن وجودهم في السلطة هو ضمانة الإنجاز الوحيدة، أيًا كانت سياستهم، التي اختلفت كثيرًا من فترة لفترة. ومن هنا لم تكنْ الدعاية تنسب الإنجازات لسياسة اجتماعية اقتصادية بعينها، بل لفكرة (الزحف)، وأنَّ توحُّد الجموع خلف الضباط هو ضامنُ الإنجاز والنهضة الوطنية وما سواه يُعَدُّ عبثًا، أو على حد تعبير ناصر (خيانة)، "فالشعبُ هو الثورة، وانتهاء الثورة يعني نهاية الشعب". وفي قلب هذا الخطاب تأكيد على أن الإصلاح؛ مثله مثل السلطة، أمرٌ مقضيٌ من أعلى، لا يحتاج إلى اتفاق على ماهيته، وإنما ينبني القبول به على الثقة المطلقة في النظام، وبالذات الزعامة، باعتبارها ابنة الثورة، وبالتالي بقيت عمليات دوافع وأخذ القرار غامضة وسرية.

غموضٌ وسريةٌ تجري داخل جماعة صغيرة ومغلقة أدت إلي تفاقم الوهم الأيديولوجي، الذي يعتبر الضباط (أحرارًا)، ويوحي بالتملّك التام، وبأن ما يصدر عن هذه الفئة هو أفضل الآراء، وأصوبها، وبإشاعة شعور عام في البلاد بأن هناك نهضة كبرى يتم تحقيقها، بافتتاح عدة مشاريع صناعية وما يحيط هذه الافتتاحيات بمهرجانات شعبية، وافتتاح أسواق الإنتاج (المعرض الزراعي الصناعي الآن) ومشروع السد العالي الذي بالطبع كان له القدح المُعلّى في نشر هذه الروح الإنجازية، والعناوين البراقة في الصحف التي تصدر بخواطر الضباط ويضيف إليها كاتبوها، ما يزيدها قوّة الشاعرية الإنجازية، تفاقم هذا الوهم كما لو كانوا يسبحون في فراغ اجتماعي وسياسي، أو كأن سكان البلاد ليسوا سوى "مادة خام"، على حد تعبير ناصر، وبالتالي بدت الشعارات والسياسات على حدٍ سواء، كالأقدار التي تسببت فيها، آلهة لا نستطيع نحن البشر أن نعلم عنها شيئًا عن منطقها (باعتبارها كلية العلم!).

وتبقى النقطة الجوهرية في هذا (الوهم) أنه ليس مجرد دعاية، ولا هو كذبة مثلًا، وإنما هو أيديولوجيا، أي (وهم ضروري!)، لأنه نابعٌ من استغلاق نظام الحكم السري، بحيث بدت سياسات الضباط في الحكم وتوابعه، كما لو كانت مجرد اختيار يقوم به الضباط بحرية تامة بناءً على تقديرهم الخاص لوضع البلاد السياسي والاقتصادي والديموغرافي، النابع من (محبتهم) للشعب والوطن بالطبع؛ وبالتالي يصبح هذا الاختيار حرًا تمامًا، وفي نفس الوقت (حتميًا تمامًا)، لأنه ليس سوى التعبير الوحيد والصحيح عن مصالح البلاد ككل، بعد تشكيلها في هيئة (الزحف)؛ فما يصدر عن الضباط، فهو صادرٌ عن الشعب ويرضى به الشعب، بل ويشجعه، وإن كان لا يُعرف عنه أي شيء إلا من جهة الضباط. فالتوحيد بين (البلاد ومستقبلها وبين الضباط)؛ يتجلى تمامًا في خطابهم، بحيث يتم التعرف تمامًا على هيئة نظام الضباط، و(متعة القيادة) هي التي تتيح للسائق أن يعيد تشكيل الشعب وتخليصه من الشوائب بالطَرْق المُستدام، كأنه مادة لا تسمع ولا تفكر ولا تشعر، كينونة عبر عنها لسان النظام وعرّابهم؛ جمال عبد الناصر في إحدى خطبه فقال: "صناعة الإنسان كأي صناعة أخرى.. والمواد الخام في الإنسان هي: الأفراد.. والأفراد في حاجة إلى عمليات غسيل مخ من رواسب المعتقدات الخاطئة والمذاهب السياسية الدخيلة، وبعد ذلك تأتي مرحلة (الصهر!).. أو مرحلة ملء (فراغ العقيدة) أي أن نضع في عقول الأفراد فهمًا جديدًا للحياة.. وأن نُبصّرهم بالطريق الذي يسيرون فيه وأن نضع لهم الدافع للعمل والهدف الذي يعملون من أجله". وصفة أشبه بعملية تصنيع الحديد، أو أشبه لوصفة طبخ.

فمن خلال هذه المقولة تتبدى لحظة (الخصوصية) التي أحاط النظام بها نفسه، فبرغم أن الضباط أصدروا دستورًا، وشكّلوا برلمانًا واتحادًا قوميًا، ولخّص لهم عبد الناصر هدفهم المجتمعي- السياسيّ: "بناء مجتمع اشتراكي ديمقراطي تعاوني"، فقد أجمع رجال النظام، أنه لا تربطهم أي صلة بأي نظرية بنائية أو جدلية قائمة، فنهضتُنا نابعة من أنفسنا، وكذا كل ما يمكن إلحاقه بـ "نا" الفاعلين، وليس ثمة أي بناء ملموس لأي مشروع ذي إيدلوجيا يمكن تلمُّسها، ففكرة الخصوصية هنا تأتي لتُكمل ثنائية (الحرية الجبرية)، فباعتبار الضباط معبرين عن شعب الزحف، فلن تكون سياستهم سوى أن يتيحوا الفرصة للبلاد لتحدد مسارها الطبيعي؛ وبالتالي لم يكن النظام الذي أقامه الضباط سوى إفراز طبيعي بفضل حالة الطوارئ التي أتاحت ما يمكن أن نسميه (عزل الظاهرة) عن المؤثرات الضارة، لكي ينمو النبات وفقًا لخصائصه (بعد تهجينه بالعزة والكرامة والوطنية وما إلى ذلك)، فهناك ذاتٌ جماعية مبهمة (الخصوصية المصرية أو العربية أو أيًا كانت)، إما أن نفقدها فنفقد كياننا ونخسر كل شيء، أو نجدها فنجد أنفسنا، أو يجدُها لنا نظام حكم مناسب يتفق معها أو يتمثلُها، فتجعلنا بشكل ما ننتصر وننهض، فالخصوصية في هذه الطبعة لا تقوم بتشغيل نفسها بنفسها، وإنما تعمل فقط حين يستوحيها الضباط، وبناءً على هذا الاستيحاء يتم بناء المجتمع الجديد "زي ما احنا عاوزين!" بنص عبارة ناصر. أو بمعنى آخر: تنطلق حرية الضباط لا من احتكار فكرة متفق عليها أو معروفة، وإنما احتكار قراءة الخصوصية السرية، وبناءً عليه احتكار (تطبيق) هذه القراءة في مشروع إصلاح لإعادة هندسة المادة الخام، وتحقيق العدالة الاجتماعية وبقية مشروع الهندسة.

وتحقيق العدالة الاجتماعية يقوم على مبدأ (عناصر الإنتاج)، التي هي العمل والأرض ورأس المال، فيحصل كلٌ منها على نصيبه العادل، بلا احتكار، وإذا كانت هذه الاشتراكية تبدو غريبة بين المذاهب المعروفة من الاشتراكيات، فإنها كانت مُبرِّرة لفكرة (الخصوصية) التي طرحها النظام؛ حيث كان يشارُ إليها بضمير الملكية "اشتراكيتنا" وبالتالي فغرابتها هذه مبررة! وكانت فحوى هذه الاشتراكية تلافي الصراع الاجتماعي، ليس فقط عن طريق إعادة توزيع الثروة، ولكن عن طريق إحكام القبضة على أطراف عملية الإنتاج المدينية والريفية، وامتدت القبضة لتشمل التعليم، والصحافة، وجميع ما يمكن تسميته بمجال عام، كما تم ذكره. فالدولة مسئولة عن أن تتدخل في الاقتصاد القومي، فإذا كانت الملكية غير عادلة يجب أن تحدّدها، وإذا كانت المصلحة تقتضي أن يتم توجيه الاستثمار إلى الصناعة يجب أن توجهه، وعلى أساس هذين الركنين (مسئولية الدولة) و (الرأسمال وظيفة اجتماعية)، يصبح إخضاع رأس المال لخطط الدولة واجبًا بديهيًا، والمستفاد من ذلك أن كلًا من حجمه ودوره، بل وجوده من عدمه، مترتب على تقدير فائدته وقدرته، على تحقيق هذين الركنين من وجهة نظر الحكم القائم وبشروطه.

وبرغم أن نهضة الشعب هي الهدف، كان الشعب، وفقًا لمنطق القوامة، عليه واجب إزاء نجاح النهضة، يتعدى مجرد الولاء للثورة، فأوضح عبد الناصر أن الإخلاص في العمل واجب وطني وسياسي يشمل كل فرد، وغيرُ المخلص "بيهدم كل البناء الكبير اللي احنا بنبنيه!"، وإذن على المواطن أن يعتبر نفسه بشكل أو بآخر تُرسًا في ماكينة النهضة، وجزءًا من الرأسمال القومي، فالشعب القائم أداة من أدواتهم، أو من أدوات (اسم الشعب) من أجل نهضته، فلم تكن المشكلة فحسب أن الضباط اعتمدوا على الجهاز الإداري للدولة في تنظيم الزحف، وإنما نظروا لمهمتهم كلها نظرة توظيفية لأنفسهم عن الشعب، وللشعب عن (اسم الشعب)، وبهذا المنطق طالبوا العمال والرأسماليين معًا بالخضوع التام. على هذا النحو يُراد تشكيل (المدينة الفاضلة) من شعب متعاون، أو مَسُوق للتعاون قسرًا، لا تُفرِّقه خلافات، وليس مسموحًا له أصلا أن يختل، يعملُ بأمر قيادة واحدة ليحقق نهضته، وتتمثل وظيفة النظام نفسه في توظيف الآخرين، فضلًا عن البرهنة على نجاحه في توظيف نفسه كممثل عن الشعب، بالإشادة بمنجزاته، ونسبتها لطبيعته هو بالذات وما يصدر عنه من أفكار.

وقد كانت مؤسسات النظام القائمة على الانتخاب التي قُصِدَ بها (سد الفراغ السياسي) صرحًا آخر من صروح (المدينة الفاضلة). وكان العنوان العريض لإقامة البرلمان والاتحاد القومي؛ هو الديمقراطية، ولكن الديمقراطية وفقًا للفكرة الجوهرية للمدينة الفاضلة ليست للمواطنين، ولكنها مبنية على (عقد اجتماعي)، وقد كانت بدورها فكرة وظيفية، أي أداة مناسبة لوظائف معينة، والمقصود بها؛ فتح مجال لإشراك بعض السكان في مناقشة التفاصيل السياسية، في إطار النظام الأمني، أو حالة الطوارئ، وبذلك تقوم بوظيفتها في ترشيد القرار التكنوقراطي الذي يقرر الإصلاحات بهدف زيادة فاعليتها، وفي تقليل التوتر الاجتماعي، والسخط السري. أما الاتحاد القومي الذي أُنشئ بعد هيئة التحرير فتمثّلت مهمته الأساسية في القضاء على (أعداء الشعب)، وعزلهم سياسيًا، وإخفاء كل أثر لهم، ثم يأتي دور إدماجهم داخل النظام، لسد فراغه السياسيّ، وقد كان عهد الاتحاد القومي عهد ازدهار الفكرة الرومانسية عن شعب متآلف، وبالفعل تم تشبيه الاتحاد بأسرة كبيرة، فثمة هارمونية مفترضة على أساس من التصورات الرومانتيكية عن الأسرة، لا الأسرة الواقعية بتوتراتها ومشاكلها واختلافاتها، وأحيانًا صراعاتها. وقد كان المصريون جميعًا أعضاء في الاتحاد القومي إجباريًا بنص الدستور، ليكون التنظيم الجديد بمثابة تمثيل مؤسسي لفكرة الزحف.

وإنما المقصود بـ (سد الفراغ السياسي) خلق شبكة تابعة من الوسطاء يرفعون شكاوى ومطالب إلى أعلى عن طريق لجان الشكوى التي تم تأسيسها في الاتحاد القومي، تساعد النظام في الرقابة على جهازه الإداري بغير أي مشاركة في الحكم لمن يشتكي، بالإضافة لتجميع شبكة منتفعين ليس لهم بالضرورة أي ولاء سياسي للنظام، بل مستفيدون وحسب من مزايا الوساطة للنظام (الوطني البطل). وعلى هذا النحو، تمثلت المدينة الفاضلة للعهد الجديد في شعب منتظم ومُراقب في جموع الزحف، سواءً بتوظيف قواه المختلفة في نهضة يقودها الضباط، أو باستبعاد كل ما يُعكّر صفو هذا الزحف ومشاركته في المؤسسات التي بناها النظام، بتطهيرها والحد من سلطاتها. ومقابل التأييد تم تقديم مكاسب متنوعة، شملت الانتصارات المبهرة (ما تم جعله مبهرًا) داخليًا وخارجيًا، احتفاءً بعهد الاتحاد والنظام والعمل، وعهد الاشتراكية التعاونية يليها عهدُ (الوحدة العربية) وبقيادة الزحف التي تعمل من أجل الشعب. لكن الزحف لم يكن بلا ثمن؛ فقد كانت الفكرة العامة في ذهن الضباط هي فكرة القوامة على الشعب وتربيته وتخليصه من الشوائب، وقد أدت أحداث 1954م، إلى أن تصبح القوامة شعبية، بينما مثلت الزعامة تحقّقًا سعيدًا لهذه القوامة، على تناقضها، بما أتاح قيام العصر الذهبي للنظام ومدينته الفاضلة، ولكن التناقض أعمق من أن ينتهي إلى مثل هذا الحل السعيد، فقد كان يخترق المشروع بأكمله من البداية وقد بدأ يتقاضى ثمنه الباهظ على نحو ما سنرى.

2- أزمة المدينة الفاضلة

لم تكن المدينة الفاضلة أو العصر الذهبي للنظام خيرًا خالصًا، رغم كل ما أحاط جوانب الحياة من رقابة وضبط أجهزة النظام الإدارية، وبالتحديد بسبب أساسها الهش الذي بنيَ على مقولات قوامُها الارتجال والخواطر التي تخطر ببال وفكر الضباط. ولقد أدى استعمال هذه الإمكانيات -أي احتكار السلطة والريع السياسي الناتج عن المناورات الخارجية ومجد النظام السياسي الذي سبق ذكره، في (سد الفراغ)- إلى تطوير تناقضات فكرة القوامة الشعبية، وتناقضات فكرة ارتفاع النظام فوق كل التناقضات، وبقائه كذروة عليا محايدة، تعلوها وتتحكم فيها وتروّضها على المشاركة في الزحف المقدس. وبرغم أن التجنيد في (جيش الثورة) وجموعها الهادرة، تم تفصيله في إطار هذه الفكرة بالضبط (فكرة الزحف)، فإنه أحيا في النهاية نشاطات عامة متنوعة، أخذت تُفتّتُ جسد الفكرة نفسها، برغم الكلام عن التناغم اللانهائي في الاشتراكية التعاونية التي رُفِعَ علمُها في هذه الفترة، وأن ذلك المجد السياسي للنظام حين وصل إلى ذروته بالوحدة مع سوريا، وأخذ على عاتقه الحديث بلسان كافة الشعوب العربية، ومهاجمة كل الأنظمة التي تخرج عن إطار أيديولوجيته وتفسيره لأي شيء، حين وصل إلى هذه الذروة أدخل النظام نفسه في منافسة من نوع جديد، كانت سلاحًا ذا حدّين وأحيانًا كانت سلاحًا فتاكًا نهشَ أيديولوجية النظام الهشة، وبيّن عوارها وضعفها، كما حدث حين تمت مهاجمة نظام عبد الكريم قاسم (الذي حكم العراق في نفس الفترة) علنًا بعد دعم النظام المصري لانقلابه الذي سرعان ما سُميَ ثورة على غرار ما فعله النظام المصري، فبعدما شعر عبد الكريم قاسم بقيام اتصالات بين النظام الناصري وبعض زملائه كعبد السلام عارف، بهدف تنحيته هو، انتهى ذلك الفصل من الود بين النظاميْن، وتم سجن كل من له ولاء للنظام الناصري. ومن هنا، كان تمرد الانقلاب العراقي على الزعامة الناصرية بمثابة تحدٍ من نوع جديد تمامًا، لأنه كان نظامًا وطنيًا بامتياز يسعى للتحرر من الاستعمار، وفي نفس الوقت يخط خطوطه خارج هذه الزعامة العربية المتخيلة في مخيال النظام الناصري، فاعتُبر عدوًا لدودًا، فهو ببساطة تحدٍ لنظام القوامة الشعبية الذي ارتبط بنفسية النظام الناصري، فتم وصمها من عبد الناصر بـ "الطابور الخامس من عملاء الاستعمار!" وهكذا كشف النظام عن صعوبة تكيُّفه مع إمكانية قيام نظام تحرر وطني مختلف عن نموذجه، بسبب الاختلاف في طبيعة الأوضاع والتوازنات الداخلية، وعدم قدرته على تقبُّل قيام نموذج منافس يقوم على تحالف الضباط الوطنيين مع قوى حزبية، والسماح بوجود مجال سياسي ولو مقيّد؛ فأيديولوجية الزحف، ديكتاتورية الشبح، لا تقبل بطبيعتها سوى انقسامات ثنائية بسيطة بين معسكريْ الوطنية والعمالة، تمامًا مثل الانقسام البسيط بين الشعب وأعداء الشعب.

كان وقع ذلك هائلًا على النظام المصري؛ إذ شعر أن أسلحته التي شحذها وأجاد استعمالها وانتصر بها مرارًا (في مصر وسوريا) لها حدٌّ آخر يمكن أن يقتله هو، فلأول مرة تسير مظاهرات في بلد عربيّ ضد النظام الناصري. وللحفاظ على اتّساق أيديولوجية الزحف، ادّعى ناصر أن العراق قد أصبح تحت النفوذ الشيوعي بناءً على قرائن واهية، وهكذا أدّت الكذبة الأولى إلى أكاذيب أكبر فأكبر، بهدف جمع كل الأعداء في سلة واحدة، وجرَّت بعدها مشاكل عدة أبرزها مع حزب البعث السوري بعد الوحدة، وكانت محصّلة الأزمتين؛ أن النظام وجد نفسه محرومًا عمليًا من امتيازات احتكار أيديولوجية التحرر العربي، وتفسير أيديولوجيته، وتقديم رؤى النظام كرؤى واحدية، لا سبيل إلى غيرها، وهو الأمر الذي يهدد فكرة (الزحف) ويضربُها في صميم بنيتها. إذن أخذت التشققات تظهر داخل (الزحف المقدس)، ليتضح أن تجنيد الشعب في الزحف على الطريقة التي تخيلها الضباط في مدينتهم الفاضلة مستحيل تقريبًا، لأن المساحات التي يُسمحُ فيها بالحركة تصبح ساحة لرؤى مختلفة تتصارع في وجودها، وكسب نفوذها.

وهنا يجب أن نلاحظ، أن جميع تلك الأفكار المتشابكة تؤيد النظام بشكل أو بآخر، وتعمل في داخل مؤسساته، ومتفقة على قبول درجة أو أخرى من درجات سلطوية النظام، وهو الأمر الذي كان يدفع قادة الزحف للتدخل في الصراعات على الأفكار وعلى النفوذ داخل النظام، بما أن جميع الخلافات تحدث في داخله. فالسلطة الانقلابية لم تكن ثورية بمعنى جذرية الحلول، بل كانت تتخيُّرُ من بين كل هذه الآراء حلًا أو رأيًا وسطًا يمكن أن يقترب بشكل ما، مع ما يتفقون عليه، ويدفعون به قُدُمًا، وتعتمدُ في إجراء هذه الجراحات الاجتماعية المحدودة على أجهزة خاصة موازية، تُنشئُها بغرض الضبط، ومزيد من المراقبة، وتكفل لها امتيازات معينة، سواء مالية أو في نطاق سلطتها بالمقارنة بالجهاز الحكومي التقليدي. وينطبقُ ذلك على جميع الأجهزة التي استحدثها النظام سواء كانت قمعية (المخابرات والشرطة) أو إنتاجية (المؤسسة الاقتصادية أو القطاع العام أو هيئة قناة السويس) أو خدمية، أو دعائية (صحافة/ إذاعة/ فنون)، وبالتالي اعتمد النظام على شراء فئة جديدة ذات امتيازات مختلفة، تنتمي إلى ما نسميه، الانتيليجنسيا (أي القائمين بعمل ذهني) أو ما يُطلق عليه المتعلمون، والمقصود تعليمًا عاليًا ومَنْ في حكمهم. ويتّسقُ هذا الخيار، مع طبيعة هذه الفئة ودورها في فكرة التحكم من أعلى وتمثيل المجتمع ككل، طالما ظلت قادرة في أوضاع سياسية معينة، من التمرد على سادتها أي الطبقات المالكة.

اكمل قراءة الملخص كاملاً علي التطبيق الان

ثقف نفسك بخطة قراءة من ملخصات كتب المعرفة المهمة

هذه الخطة لتثقيف نفسك و بناء معرفتك أُعدت بعناية حسب اهتماماتك في مجالات المعرفة المختلفة و تتطور مع تطور مستواك, بعد ذلك ستخوض اختبارات فيما قرأت لتحديد مستواك الثقافي الحالي و التأكد من تقدم مستواك المعرفي مع الوقت

حمل التطبيق الان، و زد ثقتك في نفسك، و امتلك معرفة حقيقية تكسبك قدرة علي النقاش و الحوار بقراءة اكثر من ٣٥٠ ملخص لاهم الكتب العربية الان